الاثنين، فبراير 19

نشـرة الثــامنة





تعد في يوم وتقدم في نصف ساعة
المحقق تنقـل كـواليس إعــداد نشـرة الثــامنة
روبورتاج: سليمان حاج إبراهيم/ تصوير : حنان دريس
> إلى هنا نصل إلى نهاية النشرة، نشكركم على حسن المتابعة و الإصغاء، نلقاكم غدا بعون الله ··· < كانت هذه خاتمة نشرة الثامنة للتلفزيون الجزائري التي يستغرق بثها 03 دقيقة لكن تحضيرها يتطلب الكثير من الوقت و الجهد و يستنزف أعصاب المشرفين عليها في مختلف مستوياتهم عبر مسلسل طويل يمتد من الصباح الباكر حتى آخر المساء، >المحقق< تنقلكم إلى عالم التلفزيون وتنشر لكم تفاصل إعداد نشرات الأخبار · إجراءات شكلية في حدود الساعة العاشرة صباحا نلج إلى مبنى التلفزيونئو نقتحم حصون هذه القلعة العتيدة التي قاومت جميع الهزات التي مرت بها البلاد منذ استقلالها حتى الآن، و لم تخترقها أي من الزوابع التي عصفت بأماكن غير بعيدة عنها، ولا يدري أي كان السبب وراء ذلك لكن قد يكون للأمر علاقة بموقعها الرائع و المتميز أعلى مرتفع جميل يطل على منظر بانورامي للعاصمة· وجدنا في استقبالنا على مدخل البناية التي أجريت عليها الكثير من الترميمات أحد الزملاء الذي استطاعت ابتسامة واحدة منه إنهاء إجراءات دخولنا وختمت لنا بسرعة التصاريح التي عادة ما تأخذ وقتا طويلا نتيجة الإجراءات المشددة التي اعتمدتها المؤسسة منذ اندلاع الأزمة الأمنية وما خلفته من عشرات الضحايا الصحفيين و التقنيين · صدّيقي بعفويته تأسف لهذه الإجراءات التي تمنى أن تتوفر ظروف إلغائها و السماح بدخول الزملاء من وسائل الإعلام الأخرى للتلفزيون بحرية مثلما يتوجهون لمقرات جرائدهم أو مؤسساتهم · ومن أمام مبنى التلفزيون أشار الزميل ألى المساحة التي يخطط عز الدين ميهوبي مدير الإذاعة الوطنية لتحويلها لناد مفتوح على جميع فعاليات المجتمع و التي يترقب أن تعيد بناء الجسر الواصل بين وسائل الإعلام السمعية و البصرية و المكتوبة · الاجتماع الصباحي رقم 1 يبدأ اليوم الإخباري باجتماع صباحي في مكتب آبراهيم صديقي مدير الأخبار بالطابق الأول حيث يلتقي كل مسؤولو النشرات في التلفزيون الجزائري بقنواته الثلاثة إلى جانب مسؤولي الحصص الخاصة بغرض وضع جدول أعمال لمديرية الأخبار · ولجنا باب الاجتماع فاستقبلتنا النظرات الفضولية التي تحولت سريعا إلى نظرات ترحيب مباشرة بعد وقفة تعريفية شرع بعدها الحاضرون في مناقشة جدول الأعمال و كأننا غير موجودين، أول المبادرين بتحيتنا كانت السيدة صورية بوعمامة التي خطفت بسرعة كرسيا كان بجانبها لتدعونا للجلوس · استقل مدير الأخبار مجلسه المعتاد في مكتب فخم تعلوه صورة كبيرة لرئيس الجمهورية من نفس الحجم الذي تعودنا على رؤيته في مكاتب مختلف المسؤولين حيث تتناسب الصورة مع حجم المهام الموكلة لذات المسؤول · ثم افتتح أول اجتماع تحرير رسمي لتحضير جميع نشرات الأخبار التي ستبث على مختلف القنوات الوطنية طيلة نهار اليوم والتي يشاهدها الملايين من الجزائريين خارج الوطن و داخله، خصوصا في الجزائر العميقة و القرى النائية حيث لا يزال السكان يتجمعون يوميا حول شاشة التلفزيون من اجل متابعة تلك البرامج، كما يترقبها وباهتمام شديد مسؤولون سامون بالدولة على مختلف مستوياتهم من رئيس الجمهورية إلى رئيس حكومته في حين يعكف على تسجيلها مختلف الوزراء الذين يستميتون من أجل الظهور على تلك الشاشة حتى يرضى عنهم مسؤولهم المباشر ويجدد ثقته فيهم مع قرب آجال تشكيل أي حكومة جديدة ! أول نقطة تضمنها جدول أعمال اجتماع قيادة الأركان هي تقييم برنامج >منتدى التلفزيون< الذي نشّطه وزير الشباب و الرياضة يحي قيدوم لمعرفة إنطباع الجميع عن الحصة التي يعول التلفزيون عليها كثيرا لاستعادة ثقة المواطنين الذين هجر الكثيرين منهم القناة لصالح محطات أخرى منافسة لها · واعتبر عدلان زروقي، رئيس تحرير نشرة السابعة بــ>كنال آلجيري<، أن الوزير كان مضطربا بعض الشيء نتيجة الأسئلة المباشرة والمستفزة التي وجهت له من قبل الزملاء الصحفيين ولم يتمكن من احتوائها كلها، مما عزز أكثر صدقية الحصة التي تسير بخطى واثقة للتربع على دائرة اهتمام مختلف شرائح المجتمع· من جانبها تتطرق صورية معدة و منشطة الحصة إلى الكم الهائل من الرسائل التي وردت إليها من طرف المواطنين خصوصا من فئة الشباب الذين تستهويهم الرياضة حيث بدأت علاقتهم تتوطد أكثر من وقت مضى بالموعد، وعرج مدير الأخبار في تدخله إلى موضوع إخراج الحصة حيث دعا إلى ضرورة إعادة النظر في الجنيريك وإعطاء الفرصة أكثر لأسئلة المواطنين التي ترد للحصة على المباشر · من المنتدى عرج الحضور إلى إبراز أهم المواضيع المرتقبة لهذا اليوم مستهلين الأمر بنشرة الظهيرة التي شرع طاقمها منذ ساعات مبكرة من النهار في تحرير مواضيعها و التي تتضمن في العادة أخبارا متفرقة تدعّم بتغطيات خاصة· و استعرض عدلان زروقي أهم الأخبار المرتقبة لهذا اليوم مؤكدا على أن القناة تركز أكثر على الخبر المحلي بما أنها موجهة لجالية جزائرية مقيمة بالخارج ويتم عرض روبرتاجات تبرز الوجه المشرف للجزائر وتكون نافذتها على الخارج خصوصا وأنها تعد في نفس الوقت مصدر الخبر للكثير من المتعاملين الأجانب الذين يستقرؤون من خلالها الوضع العام في البلاد· وقد تم الاتفاق على إدراج موضوع مثير حول مدينة جانت يبرز معالمها السياحية و هياكل الإستقبال المتاحة لديها، إلى جانب موضوع ثاني حول السياحة الجبلية· وتداول بعد هذه الوقفات رؤساء تحرير مختلف النشرات الكلمة لإبراز أهم محتويات جرائدهم المصورة حيث ركز بابا حني، مسؤول النشرات الأمازيغية، على أهمية حصة >تويزة< التي تبرز الموروث الثقافي الجزائري بامتداداته المتعددة من خلال مواضيع تتطرق لقضايا تراثية من عمق المجتمع الجزائري، كما تحدت حمو ،رئيس تحرير بالجزائرية الثالثة، إلى مواضيع النشرة الإقتصادية المرتقبة لنهار الأحد و الموجهة في الأساس للمستثمرين العرب لحثهم على خلق مشاريع في الجزائر من خلال إبراز التطورات الحاصلة في البلاد· و توالت المداخلات في هذا الاجتماع الأولي الخاص بكل نشرات التلفزيون الجزائري بقنواته الثلاثة و الذي يعد غرفة عمليات حقيقية حيث تشرح فيه كل المواضيع المتعلقة بالأخبار المحلية و الدولية بالإضافة إلى المواضيع والحصص الخاصة المدرجة في النشرات في سعي حثيث للتقرب من المواطن الذي يبحث عن كل ما يتعلق بواقعه · وعاد الحديث بعد جولة حول برامج الجزائرية الثالثة و الثانية إلى إبراز أهم مواضيع نشرة الثامنة التي تأخذ دوما حصة الأسد من التحضير والإهتمام لحضورها على كل المستويات · ثم استعرضت صورية بوعمامة مختلف مواضيع النشرة المرتقبة لمساء الأحد وتلقي بنظرة على مسؤولها المباشر الذي كان يتابعها باهتمام وبأخرى على الحضور حيث شرع الكل في تقييم مدى أهمية كل موضوع ومنحه الحجم الزمني الخاص به وتحديد الروبرتاجات التي تم اختيارها من عشرات المواضيع التي أنجزتها فرق المؤسسة أو أرسلتها المحطات الجهوية و التي سجلت في الأشهر الأخيرة حضورا متميزا· تؤكد سميرة عزي المكلفة بالروبرتاجات أن كل المواضيع المختارة في هذا القسم يراعى فيها عدة جوانب وتبرمج تبعا للحدث كما أن كل قناة من القنوات الثلاثة تعالج ملفات معينة من صميم إهتمام فئات المشاهدين المستهدفين خصوصا فيما يتعلق بالقناتين الثالثة و الثانية حيث الأولى موجهة للجالية الجزائرية المقيمة بالمشرق العربي والعرب عموما بينما الثانية مخصصة للمقيمين بأوربا ولشعوبها · وبعد أخد ورد بين الحاضرين واستعراض كل واحد لما في جعبته تم الإتفاق على جملة اقتراحات من أجل القيام بتغطيات في العاصمة وفي المناطق الداخلية تبرز الوجه المشرف للجزائر عاصمة للثقافة العربية · وبعد مراجعة نتائج النقاش، دوّن كل مسؤول المطلوب منه وسجل مختلف التفاصيل ثم غادر الجميع القاعة و افترق كل لحاله من أجل متابعة سير العمل أو إنجاز بعض المهمات الخاصة· وقمنا رفقة أحد الزملاء بجولة في مختلف أقسام مديرية الأخبار التي بدأت الحركة تدب فيها مع عودة الصحفيين من مهماتهم للشروع في تحضير مواضيع النشرة قبل انعقاد اجتماع التحرير لنشرة الثامنة التي يشرف عليها كل من كريم بوسالم ووردة عوفي · في قاعة تحرير التلفزيون مثل كل الوسائل الإعلامية، يملك التلفزيون قاعة تحرير واسعة يلتقي فيها الصحفيون و ينجزون مواضيعهم، و لغرض التجوال بداخلها فقد أخذنا بذراع الزميل نبيل حمداش الذي عرفّنا بالأقسام التقنية للمؤسسة، وعلى رغم الحساسية الموجودة عادة بين الإعلام المكتوب والإعلام المرئي، فإن التعامل مع نبيل حمداش كان من غير أية صعوبات، و قد تحدّث حمداش باستفاضة و اعتزاز عن مسيرته المهنية بالصحافة المكتوبة حيث كان صحفيا بــ>يالجزائر نيوز<، ولم ينس أن يشير بفخر إلى الشريط المصور الذي أنجزه عن عودة السكان النازحين إلى مناطقهم النائية بعد استتباب الأمن فيها · أول ما لفت حمداش انتباهنا إليه كان نظام >كليب إديت< الذي يعتبر طفرة في مجال التكنولوجيا الرقمية والذي يتيح تركيب مختلف مواضيع النشرة عبر جهاز الكمبيوتر، ويسمح هذا النظام الذي يعدّ برنامجا متفرّعا من البرنامج الأم >نيوز ـ باز< بوضع صوت الصحفي على المادة المصورة القادمة من القسم التقني، فالصحفي هنا يقرأ نصه ثم يعيد قراءته ويستطيع محو أو تعديل أو تقديم أو تأخير أي جزء من التعليق، كما يتحكّم الكترونيا في التفاصيل الدقيقة لحجم الصوت ونوعيته، بحيث يراعي أي فجوة ممكنة في طريقة الإلقاء، و الجدير بالذكر أن >نيوز ـ بايز< هو آخر إنتاج لتكنولجيا إدارة الأخبار، و هو ذات النظام الموجود بقاعتي تحرير >العربية< و >الجزيرة <· الحلقة الأولى في مسار التحضير لنشرة الأخبار بعد أول اجتماع للتحرير هي التغطيات التي يقوم بها الصحفيون خارج مبنى التلفزيون لكل الأنشطة الرسمية وغير الرسمية إضافة إلى المواضيع العامة، وبمجرد عودته من الخارج يسلم الصحفي الشريط لمسؤول القسم التقني الذي يدمجها مباشرة في جهاز تخزين الأفلام، وهو عبارة عن شبكة تخزين داخلية يستطيع كل الصحفيين المرتبطين بها الاطلاع على كافة محتوياتها، ومن ثم الانطلاق في عملية التركيب كما ذكرنا سابقا · أما الذين لم يتعودوا على هذا النظام فإنهم يتوجهون لخلايا التركيب للقيام بنفس المهمة لكن هذه المرة بوجود تقني هو المسؤول عن العملية في جانبها غير التحريري، بينما يتكفل الصحفي بتنبيهه إلى أولويات الصورة و التحرير، وحينما ينهي جميع الصحفيون أعمالهم يخطرون رئيس تحرير النشرة أو نائبه المكلف بالتنسيق حتى يقوم بمراجعة المواضيع وترتيبها حسب برنامج النشرة الذي تم إعداده في الصباح · وحسب ابراهيم صديقي فإنه يتم اعتماد التسلسل الهرمي في ترتيب المواضيع فنشاط رئيس الجمهورية وكل ما يتعلق بالرئاسة هو الذي يأتي في المقدمة ويتبع في العادة برئيس الحكومة ثم بنشاط مجلس الأمة فالمجلس الشعبي الوطني ليأتي بعدهم الوزراء الذين يرتبون تبعا لأهمية الموضوع وحيويته· وفي رده على استفسارنا حول سبب منح حصة الأسد من وقت النشرة للأنشطة الرسمية مع أن ذلك يتسبب في عزوف الكثير من المشاهدين عن متابعة النشرة أكد مدير الأخبار أن التلفزيون قد وقع دفتر أعباء مع الوصاية وهو مطالب وفقه بالتركيز على الخبر الرسمي طالما أن القناة لسان حال الدولة وليست مؤسسة خاصة، و التركيز على الخبر الرسمي ظاهرة متوفرة في كل التلفزيونات الرسمية مهما كانت جنسيتها، و يضاف إلى ذلك التركيز على المواضيع التي تعتبر >استراتيجية< لدى الدولة داخليا أو خارجيا · عودة الصحفيّين و الاجتماع رقم 2 في حدود الساعة الثالثة، رجع غالبية الصحفيّين الذي كانوا في تغطيات خارجية إلى مكاتبهم، فتحولت قاعة التحرير إلى خلية نحل حقيقية حيث كثر الغادون و الرائحون في جميع الإتجاهات بين مستفسر عن خبر وبين باحث عن تقني يتجول في القاعات لتركيب موضوعه وآخر يجس نبض زملائه بخصوص سير العمل ورابع يسمع آخر النكت المتداولة على عادته حينما يفرغ من عمله · و بينما كنا نشارك بعض الزملاء سباق التنكيت وقف بباب القاعة مقدم نشرة الثامنة كريم بوسالم صاحب الحضور المتميز الذي حيا الجميع بابتسامة عريضة قبل أن يصد باب مكتبه المتوسط لقاعة التحرير التي شرِّعت أبوابها للحظات حين ولوج الصحفيين إليها تم عادت للغلق لاحقا · يخرج كريم بوسالم وهو يسارع الخطى من مكتبه ليرتدي هذه المرة عباءة رئيس التحرير ويفتتح اجتماع التحرير المخصص لنشرة الثامنة بالتذكير بأهم المواضيع المرتقبة لنهار الأحد ويستوقف الصحفيين في كل مرة أثناء تقديمهم لمواضيعهم مطالبا إياهم بمزيد من التوضيحات والتأكد من دقة المعلومات الواردة فيها خصوصا حينما يتعلق الأمر بنشاطات الوزراء حيث طلب ـ مثلا ـ من الصحفية التي غطت وزير العمل و الضمان الإجتماعي نسب الإحصائيات المتعلقة بالبطالة في الجزائر إلى الطيب لوح تفاديا لوقوع أي تناقض في الأرقام بخصوص هذا الموضوع الذي تحول لمجال خصب للمزايدات بين مختلف المسئولين الذي يحاولون الاستثمار فيه، كما طلب رئيس التحرير من زملائه تركيزمعلوماتهم وإحترام الوقت المحدد لهم وعدم تجاوزه وذلك بالإختصار في المقدمات، وأعلن عن بدأ العد التنازلي لنشرة الثامنة التي أكد أن الجميع مسؤول عن إنجاحها · يقوم منشط >في دائرة الضوء< من مجلسه فينفض من حوله الزملاء كل لعمله وإنجاز مهامه في حين يتفقد هو سير العمل في القاعة قبل أن يعود لمكتبه المتوسط لقاعة التحرير ليشرع في تحضير مواضيعه ومتابعة التطورات الدولية مطالبا من المكلف بالتنسيق الدولي الإتصال بمراسل التلفزيون بفلسطين للقيام بتغطيات حول تطور الوضع في الأراضي الفلسطينية من خلال رصد موقف الشارع الفلسطيني من الصراع الدائر بين حركتي فتح و حماس · يخرج المسؤولون تباعا من مكتبه، باستثناء نائبه وردة عوفي التي شرعت في معاينة ورقة الطريق التي تتضمن كل تفاصيل النشرة، من مواضيع، تعليقات ورسائل وخطابات لرئيس الجمهورية، أو بيانات للمصالح المختصة· و في رده على سؤالنا حول سبب اضطلاعه بمهمتي رئاسة تحرير النشرة و تقديمها في نفس الوقت، رد بوسالم بلغة الواثق من نفسه قائلا: أن الأمر تعتمده الكثير من المحطات الدولية وهو من دعائم المدرسة الفرنسية التي تركز على ضرورة تمكن مقدم النشرة من محتوى مواضيعها على غرار قناة 1ئش حيث يسمح دمج المهمّتين للمقدم بمعرفة كل تفاصيل النشرة بشكل يسمح له بالإندماج مع موضوعها دون التحول لمجرد مسجل يردد أخبارا بصورة سطحية دون أن يكون متمكنا من استيعاب محتواها · وتوالت الإتصالات على بوسالم الذي تتهاطل عليه يوميا عشرات المكالمات لكنه كان منشغلا عنها في تلك اللحظات بإعداد مقدمة أخبار النشرة بعدما عاين معظم المواضيع التي تم تركيبها ووضع إشارة عليها في ورقة الطريق الموضوعة على سطح مكتبه · وبعدما فرغ بوسالم من مقدمته طلب حضور المدقق اللغوي بالتلفزيون حيث قام هذا الأخير بقراءة كل نصوص النشرة بتمعن شديد و لدهشتنا فإن المسؤول إياه لم يكن سوى أحد الشعراء المعروفين بقصائدهم الوطنية و الإسلامية الحارّة · و أكد لنا هذا الشاعر الذي لا يتسامح لغويا بأنه بالرغم من تصحيح المدققين اللغويين لنصوص كل الصحفيين إلا أن بعضهم قد يقع في نفس الأخطاء مما سماه بالأخطاء الشائعة التي ترتكب مرارا بسبب تداولها على نطاق واسع في العالم العربي، وعلل المتحدث وقوع تلك الأخطاء الطفيفة في أحيان بضغط العمل خصوصا بالنسبة للمواضيع التي يتم تركيبها لحظات قبل بداية النشرة لأنه لا يتاح الوقت للمدقق اللغوي لإعادة معاينتها· وبشأن الأخطاء الشائعة في التلفزيون سرد علينا المسؤول على متابعة كل فقرات النشرة أمثلة منها والتي يعكف حاليا على جمعها لإصدارها في مطبوعة توزع على جميع الصحفيين من أجل تفادي تكرارها في المستقبل · وفي الوقت الذي أنهى فيه الأستاذ معاينة نصوص النشرة كان كريم بوسالم يرفع يديه لله سبحانه بعد أدائه لصلاة المغرب سائلا إياه أن يفكك عقدة لسانه حتى يفقه المشاهدون قوله في النشرة، وأعاد بلطف السجاد لدرج مكتبه قبل أن ينزل على مهله محافظا على هدوئه إلى قاعة الماكياج ونحن من خلفه كظل يتبعه لأنه يهمنا كثيرا معاينة كل التفاصيل المتعلقة بالنشرة خصوصا كل ما يحدث نصف ساعة قبل دقات الثامنة مساءا · لم يدم مكوثنا طويلا في قاعة الماكياج فلم تكن إلا دقائق معدودات، وكانت كافية لوضع مساحيق على وجه المقدم حتى تحميه من وهج مصابيح الإضاءة العالية الحرارة وطبعا مع تسريحة خفيفة لشعر كريم بوسالم ثم ولجنا رويدا وخلفنا جيش من المعاونين و التقنيين إلى قاعة الإرسال >لاريجي<، سلم رئيس التحرير على الجميع وأوصاهم بالجدية في العمل حتى صعود جنيريك نهاية النشرة وترك قيادة المركب لوردة عوفي نائبه لتتكفل بالتنسيق مع كل من كريمة السكريبت و مسؤول الإرسال عبد المالك ياسف إضافة إلى المخرج مهدي بن تركي الذي استقل مجلسه في وسط قاعة >لاريجي< التي كانت تعج بالحركة محاطا بلوحة التحكم العملاقة الحاوية لمئات الأزرار التي يساوي أي خطأ في استعمال واحدة منها كارثة لا يتجرع تبعاتها المخرج وحده فقط بل كل من بالتلفزيون لأنه يتحكم في كل تفاصيل بث النشرة من برمجة الصور التي تلتقطها الكامرات الخمس التي تغطي كل الأستوديو إلى بثها في الشاشة إلى إختيار خلفيات العرض· و يتوزع ثقل نشرة الثامنة بين الاريجيب والأستوديو لكن بدرجات متفاوتة حيث يضطلع المقدم ونائب رئيس التحرير بجزء معتبر منها لأن الأول في مواجهة ملايين المشاهدين المتابعين بينما الثاني مسؤول على توجيه النشرة من خلال جهاز كمبيوتر يشتغل بنظام >نيوزـ بايز< هو الآخر · في مواجهة نشرة الثامنة يدخل كريم بوسالم إلى الأستوديو، يسلم على المصورين الذين يبادلونه التحية، يبتسم بعفوية، ثم يعلق المعطف الأسود ويرتدي سترته الرمادية ثم يفتح حقيبته الدبلوماسية ويخرج منها أوراقه ويشرع في تفقدها للمرة الأخيرة قبل أن يجلس في كرسيه مسلما نفسه لعدد من المساعدين، بعضهم يثبت على سترته ميكروفون الإرسال، و آخر يثبّت بأذنه >سماعة< التواصل مع مخرج النشرة لاستقبال المعلومات أو إرسالها · وفي الناحية المقابلة لـِ >لاريجي< يتابع المخرج تفاصيل اللحظات الأخيرة أمام نوعين من الشاشات، يبث النوع الأولى صورا ملقتطة من زوايا عديدة داخل الاستوديو ليختار المخرج ما يجب أن يبث منها، بينما يرى في النوع الثاني من الشاشات نفس ما يراه المشاهدون في بيوتهم، هكذا تتوفر للمخرج رؤية مزدوجة داخلية وخارجية · وقبل انطلاق النشرة يقوم كريم بوسالم بمجموعة من التدريبات التنفسية بغرض بط تنفسه و إحكام السيطرة عليه، و هي ذات التدريبات التي يؤديهات مجموع المشتغلين بأصواتهم كالخطباء و حتى المغنين المتمكّنين باعتبار أن الصوت دعامة أساسية في صناعة الحضور التلفزيوني · وقبل التطرق للنشرة، يجدر الذكر أن كريم بوسالم يقرأ التفاصيل من مصدرين، الورقة الموضوعة على مكتبه، وشاشة العرض المثبّتة أمامه، حيث ينظر طوال الوقت أمامه وفي ذات زاوية الكاميرا مما يعطي انطباعا بأنه يحفظ النشرة ويلقيها ارتجالا بينما الواقع أن لا أحد قادر على حفظ محتويات 03 دقيقة من البث، ولكن الأمر يتعلق بشاشة عرض مثبّتة في ذات زاوية الكاميرا، و هذا بالطبع لا ينقص بأي شكل من صعوبة المهمة التي يجب على المقدم الاضطلاع بها، حيث يجب أن يتوفر له حضور و سرعة بديهة كبيران للتعامل مع الأوضاع الطارئة، كورود خبر عاجل أو حدوث خلل تقني أو تركيبي · قبل انطلاق النشرة يلقي بوسالم على مسامع مساعديه نكتا يحاول من خلالها إضفاء بعض الحيوية و تفادى حالة الإرتباك التي تسود قبل أي بث مباشر قبل أن ترسل كريمة، مسؤولة >السكريبت<، إشارة التحذير الأولى وبعد ثوان تأمر الجميع بالإستعداد وتحيل الكلمة للمقدم ليشرع في قراءة المواضيع تدريجيا· تضبط على إقاعها نبضات قلوب كل من كان بالطابق الأرضي من مبنى التفزيون الذي يكون قد غادره أغلب العاملين بينما يلج إليه من هو مكلف بالدوام تلك الليلة · ينهي كريم بوسالم الذي امتلك خبرة كبيرة في تقديم النشرات وأصبح نجم الثامنة من دون منازع ماعنده من أخبار قبل أن يحيل الخط للمتربصة رميلة فرات لتقديم النشرة الثقافية التي تتزامن مع إحتضان فعاليات الجزائر عاصمة الثقافة العربية وبعد الخبر الرياضي يشكر كريم بوسالم المشاهدين على حسن الإصغاء والمتابعة و يتمنى لهم سهرة ممتعة ويعلو جنيريك النشرة حيث يتنفس الجميع الصعداء ويرتاحون ويستعيدون مرحهم بعدما حبسوا أنفاسهم طيلة عمر النشرة التي لا يستغرق زمن بثها سوى نصف ساعة او ثلاثة أرباعها بينما التحضير لها يبدأ من تلك اللحظة على مدار 42 ساعة حتى يوم الغد · يترك منشط حصة في دائرة الضوء أوراقه في الأستوديو، يلبس معطفه ثم يهمس في أذني قبل أن يغادر القاعة >أرأيت كم هو متعب عملنا؟ هل لديك جوابا لمن يدّعي انني آتي إلى التلفزيون نصف ساعة قبل موعد النشرة لأراجع التقارير ثم اقدمها؟<· لم يكن ضروريا أن أجيب على تساؤلات كريم بوسالم فقد كانت الإجابات ناطقة أمامي···كانت ماثلة للعيان، لكني تساءلت في قرارة نفسي إن كان بوسع المسؤولين في الدولة أن يدركوا أن الحكمة في بث أخبارهم في التلفزيون تكمن في توخي الإختصار والتركيز على الأشياء المهمة دون أن يكون نجاح برامجهم مقترنا بالخطب العصماء التي تأخد من حصة المواطنين في الإعلام؟
!

‏ليست هناك تعليقات: