العود الأبدي طباعة إرسال إلى صديق
الاثنين, 27 أكتوبر 2014
عدد القراءات: 44
تقييم المستخدمين: / 0
سيئجيد 
قد نتحمّس للتجربة الديمقراطية في تونس، ولنجاح هذا الشعب في اجتياز مرحلة عصيبة بأقل الأضرار الممكنة. لكن التجربة التونسية بالذات تدفعنا إلى طرح الأسئلة عن الحراك الاجتماعي الذي ينتهي بقفزة إلى... الوراء. ثمة كيمياء غريبة تتحكّم في سوسيولوجية المجتمعات العربية التي تقوم بثورات من أجل التغيير وحين ينقشع الغبار تكتشف أنها أمام احتمالين: صعود الإسلام السياسي أو عودة الحرس القديم.
تختلف تونس عن غيرها لأن شعبها مسالم ومتمدّن ولأنها  محرومة من الريع المسيل للدماء. لكن إفرازات الثورة  أفضت إلى عودة النظام الذي سبق النظام السابق، صحيح أن الحرس القديم عاد عن طريق الصناديق  لكنه عاد على أية حال متقدما على الإسلام السياسي المطمئن على موقعه المريح في الصف الثاني صابرا منتظرا متعفّفا عن حكم له مطبّاته مستفيدا من التجربة الجزائرية وبعدها التجربة المصرية، تجربتان أكدتا أنه لا أحد في العالم سيمنع قطف رؤوس الإسلاميين اليانعة.
ربما يتطلب الأمر دراسات متخصصة لمعرفة آليات تطور المجتمعات العربية و أساليب الحكم، لكن الإفرازات الظاهرة تحيل إلى حالات غريبة
يعود فيها رجال الماضي للإشراف على المستقبل، وكأن الماضي يرفض الانقضاء وكأننا أمام نظرية العود الأبدي وقد صدقت.
أفرز الحراك الاجتماعي الذي عرفته الجزائر أواخر ثمانينيات القرن الماضي صعود الإسلام السياسي الذي لم يتراجع إلا بعد مواجهة دامية وطويلة مع العسكر، وفي مصر تكررت الحكاية مع فارق في التفاصيل بوصول الإخوان إلى الحكم فعلا وإخراجهم منه قسرا. وفي تونس انحنى الإسلاميون للعاصفة في انتظار تتمة الحكاية.
بقية الحكايات العربية الناقصة لازالت جارية وتجتمع حبكتها المشتركة عند حلم التغيير الذي تحول إلى كابوس، واذكر في الكتاب ليبيا وسوريا ولا داعي لذكر العراق أو تكرار اسم داعش.
اكتسب رجال الماضي حيّل النوم في أعماق الدولة حتى توقظهم الثورات ليعودوا، واكتسب الاسلاميون مهارة استمالة البسطاء، وحدهم الديمقراطيون والعلمانيون لم يجدوا شفرات التواصل مع الشعوب العربية المطمئنة إلى بنيتها الأبوية البدائية ولم تمكّنهم الأدوات المستعارة من تجارب أخرى في حفر موضع قدم  أو في خلخلة البنية الصمّاء، ما يعني أن التجذّر  في البيئة العربية القاحلة يتطلب الكثير من الوقت، وقت تطيله الثورات الناقصة وحكايات التغيير التي لا تكتمل.
سليم بوفنداسة