الأربعاء، سبتمبر 17

مستعدة لأن أتنازل عن الكتابة وأتحوّل إلى منظفة في الشوارع





المصدر :الجزائر/ زارها: فريد.م




زيارة خاصة
''الخبر'' في ضيافة أحلام مستغانمي مستعدة لأن أتنازل عن الكتابة وأتحوّل إلى منظفة في الشوارع أنا غنية باستغنائي
اتصلنا بها وأخذنا موعدا معها. بعد الإفطار انطلقنا فكانت وجهتنا ''درارية''، وشوق عارم يسبقنا للقاء الأديبة الفذّة، والمرأة المناضلة، الحاملة لمبادئ ''منقرضة''.. وجدناها بانتظارنا عند الباب الخارجي لبيتها العائلي.. أحلام مستغانمي.. تلك المرأة المليئة بالطيبة، والمفعمة بالحياة والحيوية، استقبلتنا برحابة صدر، وببساطة تنمّ عن تواضع شديد.. صعدت السلالم وإيانا.. رافقتنا بسمتُها التي لم تفارق ثغرها، وفي كل خطوة خطوناها كانت أحلام تأسِرنا بكلماتها المتناسقة المتناغمة، ولغتها الفصيحة الأصيلة والسلسة.أدخلتنا أحلام قاعة الضيوف، التي كانت تحمل أسمى صور الأصالة العربية، ليصوّر لك أن كل ركن من أركانها يحمل واحدة من روائع كتابات أحلام التي تعشقها الإناث، ويتغنى بأريجها الذكور. وبتواضع شديد دعتنا للجلوس، قبل أن نكشف لها عن نيتنا في تعرية الجانب الخفي، والمخبأ من شخصية واحدة من النسوة العظيمات اللواتي حملن الجزائر تاجا على رؤوسهن، وعملن على تبني القضايا العربية العادلة، والدفاع عن حقوق الإنسان والبشرية.أنا ذكية في الكتابة وغبية في الحياةونحن نهمّ بالجلوس، شدّ أنظارنا كتاب على الأريكة، تناولته بهدوء وابتسمت، وقبل أن نتكلّم قالت ''أعرف أنكم عطشى، سأحضر لكم شيئا باردا تروون به ظمأكم في هذه الليلة الحارة، وبعدها أحدثكم عن فحوى أنيسي''.. قدّمت لنا المشروب ودعتنا لتناوله، ثم قالت ''هذا الكتاب من أجمل ما قرأت على الإطلاق، يضم 2500 حكمة عن الإمام عليّ رضي الله عنه، فيه فصول كثيرة عن الكرم، تعلمنا العطاء دون الإهانة..'' تصمت هنيهة، وتبحر بفكرها في عوالمها الخاصة.عادت مستغانمي بذاكرتها إلى الوراء، قالبة صفحات يومياتها ومغامراتها التي تجدها مضحكة فينة، ومحزنة فينة أخرى. ورغم ذكائها الخارق، والذي يشهد لها به الكثيرون، تصرّ الكاتبة ذات القلم الدافق على أنها غنية، ومن هنا تحديدا تنطلق في سرد بعض الأحداث التي صادفتها في معترك حياتها اليومية، أين استُغل كرمها بطريقة بشعة.تتنهد وتتأوه ثم تستطرد ''لعل أهم دليل يثبت درجة غباوتي هو قصتي مع الشغّالات.. (تضحك).. شرّ البلية ما يضحك. أنا أشتغل شغّالة عند نفسي، وشغّالة عند شغّالتي، ورغم ذلك لم أنج من مكر بعضهن.. أتذكر حينا تلك الخيانة التي تعرّضت لها من قبل الخادمة السابقة التي كانت مقيمة ببيتي.. بعد 5 سنوات من العشرة، عاملتها فيها بإنسانية كبيرة.. لطالما فضلتها على نفسي وأعطيتها، فقامت بخداعي هاربة مني إلى فرنسا.. أذكر تلك الليلة، حيث كان جسدها مغطى بالكامل، وظننت أن البعوض أزعجها، فأخذت آلتي الخاصة من غرفتي ووضعتها بغرفتها، فقالت لي ''ثانكيو مادام''، وكانت في الحقيقة تقول لي ''ثانكيو يا غبية يا مدام''.. أنا حقا غبية، وحتى زوجي يقول لي أنت ذكية في الكتابة وغبية في الحياة''. ورثت أنَفتي المجنونة عن أبيتؤكد أحلام أنها ورثت تلك الأنفة عن أبيها. مضيفة أن زوجها لا يخفي خوفه من أن يكتب البيت باسمها، فتقوم في لحظة جنون منها بتقديمه هبة لأحد المحتاجين.. ''ورثت أنفتي المجنونة عن أبي، لو كنت أعلم متى تأتيني المنية لِأمنح كل ما أملك''.تحاول لملمة كلماتها، تستغفر خالقها وتواصل ''كثيرا ما كان ابني يعاتبني لتقبيل الشغّالة وعدم تقبيله، ولكنني لازلت أصر على أن الأمر طبيعي، بل هو حقه المعنوي عليّ، أما هو فإنه ابني، ولهذا لست بحاجة لإثبات حبّي له، فالأمر فطري ولا جدال فيه''.وبإحساس مرهف دفين بين جدران قفصها الصدري، غالبها مرارا وتكرارا.. انبثق وبان ليرتسم على أديمها الصافي مصاحبا كلماتها الهاربة من بين شفتيها، قالت ''علينا أن نتعلّم كيف نعطي دون أن نهين، فبإمكاننا فعل الخير بشتى الطّرق، وإذا أحب أي شخص معرفتي على حقيقتي، فليذهب إلى أولئك الناس البسطاء، فهم الأعرف بي''.أرادت أحلام مستغانمي إيجاد مبررات تفسر طريقتها في التعامل، فأكّدت أنها على دراية دقيقة بالنفس البشرية وما تحمل كوامنها الداخلية، وأشارت إلى أنها تكتب أبطال رواياتها لأنها تعرف شخصية أحلام الحقيقة، ولكنها تُصاب بالعمى العاطفي في الحياة، ''شخصياتي لديها أخلاق، فخالد وفي 400 صفحة ظلّ واقفا ولم ينحن، لم يخن الوطن ولم يخن المرأة، أنا متواجدة في كل واحد من شخوصي، وبذلك أنا ذكية، ولكنني غبية في الحياة''.تتذكر أحلام أن والدها قام ذات مرة بشراء كل الكتب التي كانت على رفوف مكتبة ''العالم الثالث حاليا''، وأهداها إياها، لا لشيء، سوى لأن صاحب المكتبة آنذاك ثار في وجهه متهما إياه بأنه لا ينوي شراء ولو كتابا واحدا، فكان رد والدها أن أفرغ المكتبة من كل الكتب..''.أزداد ثراء كلما كانت مائدتي فقيرة حملتنا أحلام وحلّقت بأرواحنا في عالم الروحيات المطلق.. عالم الزّهد والتصوّف. فاكتشفنا ولأول مرّة أن تلك المرأة الحديديّة، ذات النظرة الثاقبة، الجالسة قبالتنا بلغت درجة غير معقولة من الارتباط مع بارئها ''أنا مؤمنة في كل لحظة، وإيماني يقاس يوميا.. لا أستطيع إهمال الجانب الإنساني في شخصي.. صحيح أنني لم أكافأ دوما عن أفعالي الجيدة، إلا أن الانطباع الأول مهم بالنسبة لي.. فأنا أستحي حقا من الله''.ولأننا في شهر الصيام والقيام، عرّجنا والأديبة على طقوسها في الأيام الحسان.. عرفنا من حديثها أنها لا تصوم العشر الأوائل إلا في وطنها الأم ''أعود إلى بلدي رمضان كل سنة، وفي بيت أهلي أصوم العشر الأوائل منه.. فرائحة ''الشربة'' تأسرني، وهو ما ينقصني بديار الغربة''. .. تضحك وتواصل ''أذكر أنني قضيت 17 عاما بفرنسا، وأنا أفطر على شربة ''ماجي''.. على فكرة أنا لا أجيد الطبخ''، ومع ذلك فأحلام ليست من النوع الذي يشتهي الأكل كثيرا في رمضان، بل إنها ترى في إعداد الكثير من الأطباق، وإمداد الموائد تبذيرا، بل معصية لإرادة الله.وعن قناعتها بالقليل، وكرمها الذي ورثته عن والدها تقول أحلام'' ورثت كرمي غير المحدود عن والدي رحمه الله.. أنا أزداد ثراء كلما كانت مائدتي فقيرة.. أستحي من الله عندما تمتد الموائد والولائم أمامي، وعندما أكون ضيفة على مائدة عامرة أشعر بالحياء.. بل وأشعر بالحياء حتى من حيوان جائع، فلطالما أثرت عدّة مشاكل في مطاعم فاخرة، عندما يقترب مني قط، وأضع له قطعة لحم في الأرض''.لا أستطيع الأكل من صحن ترك فيه رجل عينيهتتذكر أحلام حادثة وقعت لها بأحد المطاعم الفرنسية الفاخرة، حينما دنا منها رجل كان يبيع بعض المستلزمات ''لقد اقترب من مائدتي ولم يعرني اهتماما كبيرا، حيث لاحظت أن عينيه بقيتا في صحني وهو يغادرني، تألمت كثيرا، وتوقفت عن الأكل، لأنه لا يمكنني أن أواصل الأكل من صحن ترك فيه الرجل عينيه''. وبتواضع كبير، وتذلل لله، تقرّ أحلام أنها تذهل لتهافت الناس على اقتناء السلع في رمضان بكميات خيالية ''الجوع شيء مخيف، وأنا أسعد عندما تكون أطباقي قليلة في رمضان. حقا لست أفهم هوس الناس بالأكل. بالطبع نفسي تشتهي أطباقا معينة مثل الزلابية، لكن ذلك لا يصل درجة الهوس، فقد أكتفي بكوب حليب بعد صيام يوم كامل''.تؤكد عشقها للحليب ''فعلا أنا أعشق الحليب، إذ أتذكر أنني صمت مرّة في واشنطن، أين حضرت مؤتمرا عام 99، وكانت معي كوثر البشراوي، وهي متدينة أيضا، وكنا الصائمتان الوحيدتان، وهناك اكتشفت أنها تفطر على الحليب مثلي، لا يمكنكم تصوّر مقدار سعادتي حينها''.تعمل أحلام مستغانمي على الاقتداء بسنة الرسول الكريم، والصحابة رضوان الله عليهم، ولذا لم تخف حسرتها لما آل إليه واقع التقاليد الإسلامية ''التقاليد الإسلامية أخذت منحى تجاريا واستهلاكيا، وحتى عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يرفض الأمر في زمانه ويقول ''أوَ كلما اشتهيت اشتريت''.. أنا أمتلك إمكانيات الشراء ولكنني أزداد ثراء كلما قاومت إغرائي، إذ إنني غنية باستغنائي''.ما أجمل الصيام والقيام في الإمارات.. أطالب السلطات في البلاد بتوحيد الزيّ الوطني تحمل صاحبة ''فوضى الحواس'' بقلبها أسى يمزقها جرّاء الواقع المزري للمساجد في الجزائر، وهو ما لم تخفه المتحدّثة ''إحدى المآسي التي عشتها منذ قدومي إلى الجزائر، أنني لم أستطع الصلاة في المسجد، رغم أنه قبالة البيت.. وجدت أن أغلب الوافدين، يأخذون هواتفهم النقالة ليتعالى رنينها داخل المسجد، وحتى الشوارع المحاذية له يطبعها الوسخ''.وعكس ذلك، فإنها لا تتأخر عن أداء الصلاة بمساجد دولة الإمارات التي ألفت على صيام العشر الأواخر بها ''تستقبلني صديقتي هنادي بعنادها الجزائري، لنصوم الأواخر معا، حيث تهديني أجمل أيام عشتها في رمضان، وأكاد أقول أجمل ما عشت من أيام''. مستعدة أن أصبح منظفة في شوارع بن مهيدي وديدوشتأخذ وقتا مستقطعا، ثم تضيف ''ما أجمل الصيام في الإمارات، وكم يشعر المسلم هناك بأنه نقي وتقي، كشوارعها النظيفة التي يفترشها المصلّون بالآلاف، بعد أن تضيق بهم المساجد. أبواب السماء تكون مفتوحة، والصلاة ترفع من آلاف القلوب الخاشعة في مسجد لا سقف له سوى النجوم، وهو ما لا يمكن، وللأسف، إيجاده بالجزائر، لأن الأرض أضحت غير نظيفة''.ولأن صاحبة ''عابر سرير'' تحمل من الوطنية والنضال الذي استمدته من والدها، وجّهت نداء للسلطات العليا في البلاد، مؤكدة أنها لا تبغي سوى نظافة الجزائر ''النظافة من الوطنية كذلك، قلت هذا الكلام لوزيرة الثقافة، ووزير السياحة السابق، وكذا وزير البيئة، وأنا مستعدة لأكون ضمن وفد من النساء من أمثال جميلة بوحيرد وغيرها وأقوم بقيادة حملة لتنظيف الجزائر، ومستعدة أن أتنازل عن الكتابة لأعمل منظفة في شوارع بن مهيدي وديدوش وغيرهما''.وتطالب أحلام بإرساء قواعد سليمة، تمكّن من توحيد الزيّ الوطني الجزائري ''أحلم بتوحيد الزيّ الوطني، كما حدث في الإمارات، حيث ترتدي النسوة اللون الأسود، والرجال اللون الأبيض، في جمالية وتقوى وخشوع''.واستاءت كاتبة ''ذاكرة الجسد'' للغة الهجينة التي أضحت تلازم أبناء الجزائر.. ''هناك شركات تحاول القضاء على هويتنا، مستعملة لغة هجينة، كلافتة ''عيش لافي''.. إنها تأخذ الملايير منا لتهدم هويتنا''. تبنيت قسنطينة كقضية تعنيني.. وسأزور البقاع بعد رمضانتجد ابنة المدينة العتيقة في قسنطينة وهمها الإبداعي، وهي سليلة ثلاثة أجيال متعاقبة كان منبتها مدينة الجسور المعلّقة، ولكنها ترفض أن تنسب لأي منطقة، وتصرّ على أنها جزائرية لا غير.. ''قسنطينة هي حنيني الدافئ، أحن إليها وأنا في الخارج.. لا أعرفها، ولكنها مدينة خلقتها للكتابة، فهي مدينة الثورة والعلماء، ولو لم يكن لها هذا الوزن لما كانت قطّ مدينتي، فأنا تبنيتها كقضية تعنيني، وليس كأرض وجبال وصخور''. تجد أحلام في قسنطينة الشموخ والأنفة والعلم والوجاهة ''يكفيني أنها المدينة التي صمدت سبع سنوات في وجه فرنسا، لهذا أريد أن أكون أهلا لها، فنحن نحتاج إلى خلق أوهام لنعيش ونكتب. بالعاصمة درست في الثعالبية، وتلقيت تربية دينية من جدتي، ولكن أبي لم يكن متديّنا كثيرا. وأتذكر أشرطة عبد الباسط عبد الصمد التي اشتراها والدي، وطلب منا وضعها يوم وفاته''. بشّرتنا المرأة الزاهدة أنها ستؤدي هذه السنة مناسك العمرة رفقة والدتها وأهل صديقتها، بعد صيام الأواخر بالإمارات.


المصدر :الجزائر/ زارها: فريد.م 2008-09-17
قراءة المقال 603 مرة

ليست هناك تعليقات: